بوابة الكيميائين
اهلا بكم

بوابة الكيميائين

دراسة عامة للكيمياء وبعض العلوم
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
الكيمياء علم وثقافة وفن وابداع
قلب مفعم بالحب والاحساس والصداقة البريئة ويدعو بالخير لكل الاصدقاء ويدعو من رب العالمين ان تدوم الصداقة والحب والبركة والخير للجميع وكل عام وانتوا بالف حب.ا.علي

شاطر | 
 

 (البردة) للبوصيري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ا.علي
Admin


المساهمات : 66
تاريخ التسجيل : 13/03/2012

مُساهمةموضوع: (البردة) للبوصيري   السبت يوليو 07, 2012 8:24 pm

قِراءَةٌ في بُردة ِالإمام ِالبُوصيريّ
معانيها ،وظروف إنشادها، وشخصية مبدعها
دراسة وتحليل





إعداد
صبيحة بنت عبد الغني حليمة بنت عبد الله

إبراهيم أحمد الفارسي





إشراف
الأستاذ الدكتور/ أحمد محمّد حسين حسوبة
الأستاذ بكلية التربية
الجامعة اللإسلامية العالمية ماليزيا
1425 ﻫ /2004م



المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله تعالى رب العالمي الذي أظهر من العدم الموجودات ، وأرسل سيّدنا محمّداً سيّداً للكائنات ، فألَهَمَ بخُلُقِهِ الكريمِ الشّعراءَ والكُتّابَ وغيرَهم لمدحه، وتعظيمه، والتغني بسيرته العطرة أبد الحياة والممات، فعليه وعلى آله وصحبه من اللّه تبارك وتعالى أشرف الصلوات والتسليمات وأذكى التحيات وأتم البركات . وبعد .....
لم يحظَ نصٌّ شعريّ، أو نثريّ في تاريخ الأدب العرييّ على مرّ عصوره الممتدة من العهد الجاهليّ، وحتى العصر الحديث بالاهتمام على جميع المستويات : الرّسمي، والشّعبي، والأكاديميّ، بمثل ما حظيت به بُردة الإمام البوصيري،حيثُ بها تغنّى المنشدون، وعارضها الشعراء،وتفنن في شرحها الكُتّاب،وتبارى الخطاطون في كتابتها بجميع الخطوط ، والقُصاص في روايتها ، والطلاب والباحثون تسابقوا لدراستها، وكذا لم تسلمْ من نقد النقاد، وتقوّل المعرضين والمنكرين ، ولكنها مازالت بسحرها تستولي على القلوب والأفئدة وتخلبُ لبَّ العارفين وأهل الوجد والذوق ، ومن هنا جاء اهتمامنا بهذا النص الشعريّ لتقديمه لكم ، وَهَا نحن في هذه الدراسة العجلى نحاول قِراءَةَ بُردة ِالإمام ِالبُوصيري وبيان بعض معانيها ،وظروف إنشادها، وشخصية مبدعها، في دراسة موجزة يشرف عليها أستاذنا الدكتور/ أحمد حسوبة ، ويقدّمها الطلاب : صبيحة بنت عبد الغني، وحليمة بنت عبد الله، وإبراهيم الفارسي.
وتأتي هذه الدراسة المتواضعة في ثلاثة أقسام :
القسم الأول سوف يتناول الشّاعر وحياته ، وقد أعدته الأخت الفضلى حليمة بنت عبد الله مع شرح نموذج من أشعاره في التحذير من هوى النفس .
والقسم الثاني سوف يتناول ظروف إنشاد وإنشاء هذه القصيدة, ومناسبتها، وشرح بعض الأبيات التي تتناول النسيب النبوي، وقد أعدته الأخت الفضلى صبيحة بنت عبد الغني.
والقسم الثالث سوف يتناول بالتحليل شخصية مبدعها وظروف عصره وملامح الأدب فيه، وما دار حول البردة من جدل عقدي، وشعر المديح، وقد أعده إبراهيم الفارسي.
وكان المنهج الذي اتبعته الدراسة هو المنهج التحليليّ الوصفي . والهدف الذي ترمي إليه هذه الدراسة؛ هو تأسيس رؤية معرفيّة واضحة كاشفة حول هذه القصيدة، وما أثارته في النفوس من كوامن الوجد ، وما أثارته من جدل عقدي مع الاستفادة من تطبيق منهج التحليل النقديّ والعلمي بموضوعية, والتعامل النقدي الواعي مع معطيات التراث الإسلامي شعراً، ونثراً لأقامة علاقة وثيقة بين الأمة وتراثها، ولتحقيق التكامل بين الدراسات المتخصصة و القيم الإسلاميّة لقبول الجيّد منه ورفض غير ذلك .
وأخيراً نتمنّى أن نوفق في عرض صورة طيّبة عن الإمام البوصيري وقصيدته، وأن تنال هذه الدراسة المبسطة الرضا والقبول وبالّله التوفيق والهداية .



القسم الأول


عن الشاعر وحياته


من إعداد : حليمة بنت عبد الله



القسم الأول: عن الشاعر وحياته
من إعداد : حليمة بنت عبد الله

سوف نتناول في هذه النبذة الآتي:
1. من هو الإمام البوصيري ؟
2. كيف كانت نشأته؟
3. نموذج من أشعاره الأخرى؟
4. ماذا قال عنه الآخرون
5. متى توفي الإمام البوصيري؟


( أ ) حول سيرة الإمام البوصيري
أولاً : اسمه
- هو محمد بن سعيد بن حماد بن تحسن بن أبي سرور بن حيان بن عبدالله بن ملاك الصنهاجي، البوصيري المصري المكني بأبي عبدالله، والملقب بشرف الدين.

ثانياً : نشْأتِه وثقافتِه
ولد يوم الثلاثاء سنة 208 بقرية دلاص ،وكانت أمه من دلاص وأبوه من بوصير، ولذلك، اشتهر بالبوصيري نسبة لمكان ولادته.
- لقد نشأ في أسرة فقيرة، لذلك اضطر إلى السعي لطلب الرزق منذ صغره.
- وكان البوصيري يجيد فن الخط، فزاول كتابة الألواح التي توضع على شواهد القبور، ولموهبته الشعرية مدح الوزراء والأمراء بأشعاره وذلك في مرحلة متقدمة من حياته ونال من عطاياهم.
- بدأ حياته كما كان يبدؤها معاصروه بحفظ القرآن، فقد افتتح كتّابا لتعليم الصبيان القرآن، ثم درس العلوم الدينية عندما رحل إلى القاهرة، وكان تعلمه في مسجد الشيخ عبد الظاهر.
- وقد عرضت عليه وظيفة الحسبة، وهذه الوظيفة لا تسند إلا لمن ألم بمبادئ الفقه.
- واشتعل كاتباً ببلبيس ( محافظة الشرقية / مصر) فينبغي أن يكون قد ألم بالأعمال الحسابية.
- مدح النبي صلى الله عليه وسلم بقصائد كثيرة من أشهرها قصيدة (البردة)، التي عارض فيها قصيدة كعب بن زهير :
(بانتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متبولُ ... مُتيمٌ إثرها، لْم يُفدَ مكبُولُ).
- كانت صوفياً تلقى ذلك عن أبي العباس المرسي الذي خلف أبا الحسن الشاذلي في طريقته، وقد درس التصوف وآدابه وأسراره على شيخه أبي العباس الذي كانت تربطه به علاقة الحب.

ثالثاً : وفاته
- قال المقريزي في ترجمته للبوصيري في المقفى : ومات في سنة خمس وتسعين وستمائة بالمارستان " المستشفى" المنصوري من القاهرة.
- وذكر الزركلي في الأعلام : أنه توفي بالإسكندرية. وكذلك كان الخلاف في سنة الوفاة.
- فقال المقريزي سنة 695 ه، وذكر الزركلي أنها سنة 696 ه، وقيل: سنة 694 ه.


( ب ) دراسة النص وتحليله
النص المختار:
التحذير من هوى النفس
مِن جهلِـهَا بنذير الشَّـيْبِ والهِـرَمِ 13فَـإِنَّ أمَّارَتِي بالسُّـوءِ مــا اتَّعَظَت
ضَيفٍ أَلَـمَّ برأسـي غيرَ مُحتشِـمِ 14ولا أعَــدَّتْ مِنَ الفِعلِ الجميلِ قِرَى
كتمتُ سِـرَّا بَــدَا لي منه بالكَتَمِ 15لــو كنتُ أعلـمُ أنِّي مــا أُوَقِّرُهُ
كما يُرَدُّ جِمَاَحُ الخيــلِ بالُّلُـجُمِ 16مَن لي بِرَدِّ جِمَــاح مِن غَوَايتِهَــا
إِنَّ الطعـامَ يُقوِّي شــهوةَ النَّهِمِ
حُبِّ الرّضَاع وَإِِِنْ تَفْطِمْهُ يَنفَطِــمِ 17فـلا تَرُمْ بالمعاصي كَسْـرَ شـهوَتهَ
18والنَّفسُ كَالطّفلِ إِنْ تُهمِلْه ُشَبَّ عَلَى
إِنَّ الهوى مـا تَـوَلَّى يُصْمِ أو يَصِمِ 19فاصْرِف هواهــا وحاذِر أَن تُوَلِّيَهُ
وإِنْ هِيَ استَحْلَتِ المَرعى فلا تُسِـمِ 20وراعِهَـا وهْيَ في الأعمال سـائِمَةٌ
مِن حيثُ لم يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ في الدَّسَـمِ 21كَـم حسَّــنَتْ لَـذَّةً للمرءِ قاتِلَةً
فَرُبَّ مخمَصَةٍ شَـــرٌّ مِنَ التُّـخَمِ 22واخْشَ الدَّسَائِسَ مِن جوعٍ ومِن شِبَعٍ

أولاً : معاني المفردات :
1 ) اتعظت : اعتبرت وتعلمت الـْهِرَم: كِبر السِّن.
2) قِرَى : طعام يقدم إكراماً للضيف.
15) كتمتُ : أخفيتُ الكَتَم : نبات مثل الحناء.
16) جِمَاح الخيل : عدم خضوعه اللجم : جمع لجام وهو ما يقاد به الفرس .
17) تَرُم : تطلب النَّهِم : شديد الجوع، حريص على الأكل.
18) شَبَّ : نشأ وكبر
19 ) تُوَلِّيَهُ : يكون ولياً عليك يُصْم : يقتل يَصم: يُصيب
20 ) سائمة : ترعى الكلأ وهو نبات صحراوي لا تُسم: لا تدعها ترعى
21)الدسائس: الفتن والمكائد /المَخْمَصَة : شدة الجوع / التُّخَم :فساد الطعام في المعدة.

ثانياً: شرح إجمالي للأبيات
13ـ 16 يحذر الإمام البوصيري في هذا الفصل من النفس الأمارة بالسوء وأنها من جهلها لا تتعظ بنذير الشيب والكبر، وكان الواجب عليها أن تعتبر، فما أعدت هذه النفس، من جميل الفعال، وكريم الخصال، ما يتناسب مع الضيف الذي ألمّ بالرأس ، وهو غير خفي ألا وهو الشيب، وكان المناسب أنْ تزدادَ تقرّباً، وطاعةً، وعبادةً!! ولو كنت أعلم أني لن أنزل هذا الشيب منزلته التي يستحقها من حسن الفعال لعمدت إلى إخفائه بالأصباغ كالحناء، فمن يساعدني على رد نفسي عن غوايتها كما يكبح اللجام جماح الخيل.
17ـ ثم يلفت نظر كل إنسان إلى حقيقة مهمة وهي أن كسر شهوة النفس لا يكون بالإفراط في المعاصي، فكما أن الطعام يقوي شهوة النهم، فإن فعل المعاصي يزيد في شهوة النفس الأمارة بالسوء.
18- ثم يشبه النفس بالطفل، فكما أن الطفل إذا تركته أمه ويكبر ويشيب على حب الرضاع، أما إذا فطمته ومنعته من الرضاع فإنه ينفطم ويمتنع، فكذلك النفس من تركها تُعبُّ من الشهوات تزداد في تغيانها. ومن كبح جماحها ومنعها عن المعاصي امتنعت وأنابت إلى ربها سبحانه وتعالى.

19_ ويأمر الإنسان أن يجتهد في أن يصرف هوى النفس، وأن يحذر من استيلائها عليه؛ لأن هوى النفس إذا استولى على الإنسان يقتله أو يعيبه على الأقل.
20- 21 ويوجه إلى ما ينبغي على الإنسان من ملاحظة النفس وهي في أعمالها كالأنعام التي ترعى في كلأ مباح، وإن استحلت المرعى فلا تتركها ترعى وتفعل ما تشاء. فطالما حسّنت النفس متعة للإنسان هي في حقيقتها قاتلة له، ولم يدرِ المسكين أن السم مخبأ في شهوته التي يراها كأنها دسم وشيء ثمين.
22- ويحذّر من فتن الجوع والشبع، فلا يكون الجوع سبباً في القنوط، ولا يكون الشبع سبباً في البطر، فرُبَّ جوع شديد يورث القنوط، يكون شراً من شبع مفرط. وكلا الأمرين: شدة الجوع، وكثرة الشبع تصرف الإنسان عن العبادة والطاعة.

القسم الثاني


ظروف إنشاد وإنشاء هذه القصيدة
ومناسبتها


إعداد : صبيحة بنت عبد الغني





القسم الثاني :
ظروف إنشاد وإنشاء هذه القصيدة, ومناسبتها
إعداد: صبيحة بنت عبد الغني
تمهيد
ما المقصود بالمدح والرثاء ؟ المدح هو : ما يقال أثناء حياة الشخص،والرثاء:ما يقال بعد الوفاة.
لماذا تعد هذه القصيدة ((البردة)) مدحًا وليس رثاءً؟
لأن الرثاء يظهر التحزن والتفجع (البكاء على الميت).ولأن المدح يظهر محاسن الدين ، والثناء على شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويقصد به التقرّب إلى الله تعالى. والشّاعر قد مدح الرّسول صلى الله عليه وسلم ،وهو يرى أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم موصول الحياة وأنه يخاطبه كأنه حي يرزق . وهذا فيه تقدير عظيم واحترام للرّسول صلى الله عليه وسلم .

أولاً : تسمية القصيدة بالبُردة
هناك عدة أقوال لتسميتها ((البردة)) منها:-
1- قيل: إنه سماها ((البردة)) كُنية له، لاشتمالها على مناقب الرسول صلى الله عليه وسلم ،وبهذا قد قصد المعنى المجازي ،مثلا ًكما في قوله:
حَاكَ مِنْ صُنْعَةِ الْقَرِيْضِ بُرُوْدًا لَكَ لَمْ تُحَكْ وَشِيْهًا صَنْعَاءُ
2- قيل: كأنه شبه نفسه بكعب بن زهير ، ولكعب قصيدة (البردة) والتي مطلعها
(بانتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متبولُ ... مُتيمٌ إثرها، لْم يُفدَ مكبُولُ).
حيث أراد البوصيري أن تكون له قصيدة تحمل اسم قصيدة كعب وذلك من باب التبرك بها.
3- قيل: للبردة اسم آخر وهو ((البرأة)) = الشفاء،
- مرض البوصيري مرضاً شديداً - قد أصابه الشلل،
-ثم دعا الله وتوسل أن يشفيه،
- رأى أحسن طريقة أن يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم بقصيدة يذكر فيها محاسن الرسول صلى الله عليه وسلم.
-فأنشأ هذه القصيدة،
-نام، ثم رأى فى المنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بيده المباركة على وجهه.
-ألقى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم البردة فى المنام،
-فقام سليماً ومعافًى وشُفي من مرضه.
-لم يعرف أحد هذه القصيدة.
-مشى فى الشارع،فقابل رجلًا مسكيناً ،ثم سأله :أين القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
-فقال :أيتها؟ثم قال :التي أنشأتها في مرضك،وذكر أولها ،وقال :والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثانياً : أقسام قصيدة البردة
تشمل أقسام قصيدة البردة عشرة أجزاء رئيسة، وقد قسمها الدارسون إلى فصول أساسية تتناول ما يلي من موضوعات :
1 - النّسيب النبويّ 1-12
2- التحذير من هوى النفس 13-28
3- مدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم 29-58
4- مولده صلى الله عليه وسلم 59-72
5- معجزاته صلى الله عليه وسلم 73-88
6- القرآن الكريم 89-105
7- الإسراء والمعراج 105-118
8- جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم وغرواته 119-140
9- التوسل والتشفع 141-152
10- المناجاة والتضرع 153-161
وعدد أبيات البردة مائة واثنان وستون بيتاً , قد زاد بعضهم بعض الأبيات في المقدمة وفي الخاتمة.

* * *








ثالثاً : تحليل وشرح الفصل الأول من البردة

النسيب النبوي و الغزل وشكوى الغرام
مَزَجْتَ دَمعــاً جرى مِن مُقلَةٍ بِدَمِ 1.أمِنْ تَــذَكِّرِ جيرانٍ بــذي سَــلَمِ
وأومَضَ البرقُ في الظَّلمـاءِ مِن اِضَمِ 2.أَم هَبَّتِ الريحُ مِن تلقــاءِ كــاظِمَةٍ
وما لقلبِكَ إِنْ قلتَ اسـتَفِقْ يَهِــمِ 3.فـما لِعَينـيك إِنْ قُلتَ اكْفُفَـا هَمَـتَا
ما بينَ منسَــجِمٍ منه ومُضْـطَـرِمِ 4.أيحَســب الصَبُّ أنَّ الحبَّ مُنكَتِــمٌ
ولا أَرِقْتَ لِــذِكْرِ البـانِ والعَلَـمِ 5.ولولا الهوى لم تُرِقْ دمعـــاً على طَلِلِ
به عليـك عُدولُ الدمـعِ والسَّـقَمِ 6.فكيفَ تُنْكِـرُ حباً بعدمـا شَــهِدَت
مثلَ البَهَـارِ على خَدَّيـك والعَنَـمِ 7.وأثبَتَ الـوَجْدُ خَـطَّي عَبْرَةٍ وضَـنَى
والحُبُّ يعتَـرِضُ اللـذاتِ بالأَلَـمِ 8.نَعَم سـرى طيفُ مَن أهـوى فـأَرَّقَنِي
مِنِّي إِليـك ولَو أنْصَفْـتَ لَم تَلُـمِ 9. يـا لائِمي في الهوى العُذْرِيِّ مَعـذرَةً
عن الوُشــاةِ ولا دائي بمُنحَسِــمِ 11.عَدَتْـــكَ حالي لا سِـرِّي بمُسْـتَتِرٍ
إِنَّ المُحِبَّ عَنِ العُــذَّالِ في صَمَـمِ 12.مَحَّضْتَنِي النُّصْحَ لكِنْ لَســتُ أسمَعُهُ
والشَّـيْبُ أبعَـدُ في نُصْحٍ عَنِ التُّهَمِ 13.اِنِّي اتَّهَمْتُ نصيحَ الشَّـيْبِ فِي عَذَلِي


[ أ ] معاني المفردات:
1- ذو سلم:موضع بين مكة والمدينة – المقلة:العين سوادها وبياضها.
2- كاظمة: اسم طريق إلى مكة _ إضم: واد أسفل المدينة.
3- همتا:همت العين انحدر دمعها على الخد _ يهم:هام على وجهه لم يدرِ أين هو.
5- البان:نوع من الشجر والمراد به موضع بالحجاز .
6- العلم: اسم جبل والمراد موضع بالحجاز.
7- الوجد: الحزن _ البهار ورد أصفر طيب الرائحة _ العنم: ورد أحمر.
8- أرقني: أسهرني. لم يمكنه من النوم والراحة.
9- الهوى العذري: الحب العفيف ، نسبة إلى بني عذرة وهي قبيلة عرفت بالعفاف.

[ ب ] المعنى العام
1-2 استهل الإمام البوصيرى (بردته) على عادة الشّعراء بالغزل وشكوى الغرام، فيقول:أبسبب تذكر جيران بذي سلم انسكبَ دمع العيون جارياً من مقلة بدم ، أم بسبب هبوب الريح من طريق مكة، أو لمعان البرق من وادٍ أسفل المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام؟
3-6 وها هما عيناه تهميان بالدموع والقلب يهيم في المحبوب ، فليس الحب منكتماً ولاخفياً، فلولاه ما أراق الدموع على الآثار، ولا أرق لذكر المعالم من الأشجار والجبال، ولم يعد ممكناً إنكار هذا الحب ،أو إخفاؤه بعد أن شهدتْ به هذه الدموع وهذا الهزال والضعف .
7-9 وأثبت الحزن والوجد الدليل على ذلك بالبكاء والهزال، يتبدى هذا كالورد الأصفر على خديه والورد الأحمر، ثم يعلن أن خيال من يحب سرى وجاءه ليلا فأرّقَه، وللحب اعتراضه للذات بالألم. ثم يخاطب لائمه فى الهوى العفيف قائلا: لو أنصفت
ما لمتني ، أي لو كنت عادلا لما ألقيت اللوم عليّ لحبي للرسول صلى الله عليه وسلم
10- 12 ثم يدعو لصاحبه :لا أراك الله ما أنا فيه، فليس سرّي مستترا عن الوشاة المفسدين ولقد أخلصتَ فى نصحكِ لى ولكنى لا استجيب له، لأن المحب لا يسمع كلام اللائمين. وحتى الشيب الذي هو أبعد ما يكون عن التهم ، فإنى أتهم نصحه لى وأظنه غير مخلص فيما وجهه إليّ من لوم، ولعل المعالم والآثار التي نوّه بها فى هذا الاستهلال من نحو "ذي سلمٍ " وهي مكان بين مكة والمدينة المنورة و "كاظمة" طريق إلى مكة و"إضم" وادٍ أسفل المدينة المنورة ، وهي تشير إلى أن رائد المحبين "البوصيري" طريقه هي : محبة الرسول صلى الله عليه وسلم






















القسم الثالث:

شخصية مبدعها وظروف عصره
وملامح الأدب فيه، وما دار حول البردة وشعر المديح


إعداد: إبراهيم أحمد الفارسي


القسم الثالث :
شخصية مبدعها، وظروف عصره وملامح الأدب فيه،
وما دار حول البردة وشعر المديح
أعده إبراهيم الفارسي.


أولاً : مفتتح الكلام
إنّ الشّعر باعتباره إبداعاً،فإنه ينطلق من التجربة الذاتيّة والشّخصيّة للشّاعر الأديب، ولا يكون الشعر الحقيقي إلا صادراً من الوجدان ومفضياً إليه سواء تناول الشّاعر فيه موضوعات عامة أو موضوعات خاصة فكل ما يقوله الشاعر لابدَّ أنْ يكونَ مرتبطاً بذات الشاعر.
والمديح النبوي فن ازدهر في الشعر العربي منذ الأعشى، وكعب بن زهير، وحسان بن ثابت، ويعدُّ في طليعة الشعر الإسلامي وزاد الإقبال عليه في العصر المملوكي، وفيه نجد صورة للدعوة الإسلامية وتزكيتها و الاهتمام برسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وخلقه العظيم، وبيان معجزاته.
ولقد ارتبط المديح بالتصوف والروحانيات والوجدانيات ، وذلك لأن للصوفية وعيهم المتميّز، ولهم أيضاً وسائل تعبيريّة خاصّة، وأفكار وموضوعات حساسة في العقيدة ، مما أثار عليهم حفيظة بعض رجال الدين فاعترضوا على ما عبر عنه شعراء الصوفية ، والبوصيري منهم.

ثانياً : شخصية الإمام البوصيري

( أ ) ثقافته وصفاته
لقد كان للنشأة التي عاشها الإمام البوصيري أثرها الكبير في شخصيته، فهو قد حفظ القرآن الكريم، ودرس العلوم الدينية، واللغوية والسيرة النبوية وتنقل دارساً ومدرساً في المساجد ، وتتلمذ على شيوخ الصوفية الأجلاء، حيث درس التصوف وآدابه وأسراره ، وتلقى ذلك عن أبي العباس المرسي تلميذ أبي الحسن الشاذلي وكان محباً لشيخه وظهر ذلك في شعره.
وهو أحد العارفين بالله تعالى المحبين لرسول الله كان جيّاش العاطفة في محبتة للرسول صلى الله عليه وسلم، صادق الإيمان، قوي اليقين؛ فهو الفنان الشاعر الأديب الصوفي الذي تغنى بجمال النبي وبحبه في خشوع وتوسل . وفضلاً عن هذا كله فقد تعمّق في دراسة مؤلفات اليهود والنصارى وكتبهم المقدسة للرد على إنكارهم النبوة وبيان فساد معتقدهم. ومع هذا برع في كتابة الخطوط العربية. وتلقى عنه العلم أبو حيان الأندلسي ( ت 725) وعز الدين بن جماعة ( ت 735) وكان ينشد أشعاره ومدائحه على الحاضرين في المجالس .

( ب ) موضوعات شعره
ينقسم شعر البوصيري إلى قسمين هما :
1- الشّعر الاجتماعي والمديح والهجاء وشكوى الحال وأمور الحياة .
2- شعر المدائح النبوية حيث أجادها وبرع فيها بلا منازع.
وكان شعره فيهما قوياً رصيناً يميل فيه إلى تقليد القدماء ، وتُعدُّ البُردة أشهر مدائحه وله أيضاً في المديح القصيدة المضرية:
يارب صلّ على المختار من مضر والأنبياء وجميع الرسل ماذكروا
و القصيدة المحمدية:
محمد أشرف الأعراب والعجم محمد خير من يمشي على قدم
والهمزية:
كيف ترقى رُقيك الأنبياءُ يـا سماءً مــا طاولتها سـماءُ
لم يساوك في علاك وقد حـــــا ل سنـا فيك دونهم وسناءُ

وللبوصيري أشعار في أغراض أخري بجانب المديح فله في هجاء المعاندين والكفار، وله مديح في الحكام والسلاطين والأمراء والوزراء . وله قصائد شارك فيها في المناسبات المختلفة في عصره، ولقد أشاد به وأثنى على شعره وشاعريته كثير من العلماء والأدباء،كابن تغري بردي و ابن العماد، وغيرهم من النقاد قديما وحديثاً، ولم يسلمْ مِن نقدِ بعضهم لشعره وفّه .

( ج ) عصر البوصيري( العصر المملوكي )
لقد عاش البوصيري في العصر المملوكي وتأثر به كثيراً، حيث تميّز هذا العصر بعدة سمات منها :

أولاً :سمات الأدب وخصائصه في عهده
1- تغلُّب الصناعة اللفظية وشيوعها لدى جميع الشعراء والكتاب.
2- ازدهار فن المديح النبوي وتسابق شعراء العصر فيه.
3- انتشار الأغراض الأخرى : الوصف، والفخر، والحماسة .
4- نمو العصبيات مما ساعد على اتساع نطاق الهجاء.
5- ضعف الشعر عموماً وانتشار التلقيد للقدماء.
6- انشغال الشعراء في الوظائف الحكومية ( ديوان الإنشاء )
7- شيوع الجهل والفقر لدى عموم طبقات الشعب.
8- كثرة الفتن والتقلبات السياسية وتغيّر الحكام والأمراء.

ثانياً : الحركة العلمية في هذا العصر
لقد شهد هذا العصر كثيراً من ألوان النشاط العلمي والفني، حيث قد تميزت الحركة الثقافية والعلمية في هذا العصر بما يلي:
1- ظهور الموسوعات العلمية والمعاجم في جميع الفنون مثل:
• لسان العرب ابن منظور اللغة العربية
• صبح الأعشى للقلقشندي الأدب العربي
• وفيات الأعيان للصفدي التاريخ
• خطط المقريزي التاريخ
• فتح البارئ ابن حجر العسقلاني علوم الحديث
• تلخيص المفتاح الخطيب القزويني البلاغة
• ألفية ابن مالك والكافية والشافية النحو

2- خمود الأدب العباسي في بغداد.
3- هجره العلماء والمفكرين إلى مصر.
4- نشأة المكتبات .
5- اهتمام الأمراء بإنشاء المدارس.
6- الاهتمام باللغة العربية والعلوم الشرعية .
7- ديوان الإنشاء والتنافس للعمل فيه .
8- الاهتمام بالتعليم والحياة الفكرية.




تعليق إجمالى
أوّلاً :آثار البردة في الفكرين الأدبيّ والدينيّ
• لقد أسهمت البردة في خلق فن جديد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حيث ظهر ما يسمّى بالبديعيات، وهي قصائد غرضها مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وكان من شروطها أن تكون قافيتها على حرف الميم وأن تحتوي على أكبر قدر من فن البديع والزخرفة اللفظية فتشمل جميع فنون البديع من جناس وسجع ولف ونشر وطباق ومقابلة وتوريه وترصيع وتصريع وبراعةاستهلال، وحسن مقطع،والتكرار واختيار الألفاظ القوية الجزلة.
• هاجم بعض الفقهاء قصيدة البردة من وجهة نظر عقائدية حيث اتهموا الإمام البوصيري بالغلو في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم واعتبروا أن بعض الأبيات فيها غلوٌ وشطحٌ صوفي وكانت أشد الأبيات غلواً من وجهة نظرهم ما يلي:
قوله:

سِـوَاكَ عِنـدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ يــا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَن ألوذُ به
إذا الكريمُ تَجَلَّى بــاسمِ مُنتَقِـمِ ولَن يَضِيقَ رسـولَ اللهِ جاهُكَ بي

وقوله:

طوبى لمُنتَشِـقٍ منـــه ومـلتَثِـمِ لا طيبَ يَعــدِلُ تُرْبَـا ضَمَّ أعظُمَهُ

وقوله:
أحيـا اسمُهُ حين يُـدعَى دارِسَ الرِّمَمِ لو نـاسَـبَتْ قَـدْرَهُ آيـاتُهُ عِظَمَـاً
والذي يبدو لمن يتمّعن في هذه الأبيات أنها لا تدلّ على أي غلوٍ؛ فهي من باب شدة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره ، والشعراء لهم أن يبالغوا إظهاراً للحب والولاء، ولا يعقل أنْ يمدح شاعر مسلم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مؤمن موحد يحفظ القرأن ويتخلق بخلق النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذهنه وفكره أن يؤلهه ، وهو الذي يقول في القصيدة نفسها منكراً على النصارى إطراء سيدنا عيسى عليه السلام:

واحكُم بما شئتَ مَدحَاً فيه واحتَكِـمِ • دَع مــا ادَّعَتهُ النصارى في نَبِيِّهِـمِ

ثانياً : تحليل أدبي عام للبردة
• أفكار القصيدة مستمدة من معارف الشّاعر ومن ثقافته وبيئته العربيّة والإسلامية وبعض الأفكار تقليدية كالغزل والوقوف على الأطلال.
• الموسيقى الداخلية والخارجية كانت ناجحة في دورها مما ساعد على تناغم الجمل والمفردات، وهي موسيقى هادئة توحي بمدى ما يفيض على قلبه من حب واحترام للرسول صلى الله عليه وسلم
• المفردات سهلة جداً ماعدا بعض الألفاظ الصعبة مثل : العنم، الكتم يصمي، يصم ، البهار ، مضطرم ، النهم ....
• الأسلوب لقد نوّع البوصيري الأسلوب ما بين خبر وإنشاء، وتقديم وتأخير، وأكثر من الجمل الفعلية وابتعد عن الجمل الاعتراضية ، مطبقاً بمهارة عالية حُسْنَ تنوع الأسلوب الممتزج بالعاطفة الجيّاشةالمعبرة عن شدة الحّب والاحترام للرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد امتاز البوصيري في مدائحه بقوة الأسلوب وحسن الصياغة، وجودة المعاني، وجمال التشبيهات، وروعة الصور ،انظر إلى قوله:
حَاكَ مِنْ صُنْعَةِ الْقَرِيْضِ بُرُوْدًا لَكَ لَمْ تُحَكْ وَشِيْهًا صَنْعَاءُ


الأفكار الصوفية التي تعبر عنها أبيات البردة

لقد عبّرت بعض أبيات البُردة عن بعض المعاني الصّوفيّة مثل :

1 ) إنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم إنسان كامل بالمعني الصّوفي :
والفريقـين مِن عُـربٍ ومِن عَجَـمِ محمّدٌ سـيّدُ الكــونينِ والثقَلَـيْنِ

2) بيان حقيقة النّور المحمديّ الأزلي:
فــإنمـا اتصَلَتْ مِن نورِهِ بِهِــمِ وكُــلُّ آيٍ أتَى الرُّسْـلُ الكِـرَامُ بِهَا
يُظهِرْنَ أنـوارَهَا للنـّـاسِ في الظُّلَمِ فـإِنَّهُ شمـسُ فَضْلٍ هُـم كــواكِبُهَا

3) سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم هو صاحب الشّفاعة وسيّد الكونين :
لكُــلِّ هَوْلٍ مِن الأهـوالِ مُقتَحَمِ هُو الحبيبُ الــذي تُرجَى شـفاعَتُهُ

4 ) ما واكب مولد الرسول صلى الله عليه وسلم من معجزات وخوارق :
يـــا طِيبَ مُبتَـدَاٍ منه ومُختَتَـمِ أبــانَ مولِدُهُ عن طِيــبِ عنصُرِهِ

5) معجزات النبي صلى الله عليه وسلم تأييد للدعوة الإسلاميّة:
تمشِـي إِليه على سـاقٍ بــلا قَدَمِ جاءت لِــدَعوَتِهِ الأشـجارُ سـاجِدَةً
6) الحقيقة الروحيّة المحمّديّة فهو صلى الله عليه وسلم حي لايموت ومِن حيثُ الحقيقة الجسمانيّة حادث يمكن أنّ يضمّ التّرب أعظمه :
طوبى لمُنتَشِـقٍ منـــه ومـلتَثِـمِ لا طيبَ يَعــدِلُ تُرْبَـا ضَمَّ أعظُمَهُ
7) تفوّق النبي صلى الله عليه وسلم على غيره من الخَلق والرّسل خَلْقاً، وخُلُقاً ،وعِلِماً، وكرماً:
ولم يُـدَانُوهُ في عِلــمٍ ولا كَـرَمِ فــاقَ النَّبيينَ في خَلْـقٍ وفي خُلُـقٍ

وفي هذا يذكر د. محمد زغلول سلام : وظهرت الصّوفيّة ظهوراً قوياً في الجزء الأخير من البّردة حيث يتوسل بالرّسول صلى الله عليه وسلم
سِـوَاكَ عِنـدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ يــا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَن ألوذُ به
إذا الكريمُ تَجَلَّى بــاسمِ مُنتَقِـمِ ولَن يَضِيقَ رسـولَ اللهِ جاهُكَ بي
إِنَّ الكَبَـائِرَ في الغُفرَانِ كـالَّلمَـمِ يا نَفْـسُ لا تَقنَطِي مِن زَلَّةٍ عَظُمَتْ
تَأتِي على حَسَبِ العِصيَانِ في القِسَمِ لعَـلَّ رَحمَةَ رَبِّي حينَ يَقسِــمُهَا
لَدَيْـكَ واجعلْ حِسَابِي غيرَ مُنخَرِمِ يا رَبِّ واجعَلْ رجائِي غيرَ مُنعَكِسٍ

معارضات الشّعراء لقصيدةِ البُردةِ
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم في ذلك :
"وكانت أعظم قصائده، وأروع فرائده، درة الشّعر الفصيح بُردة المديح، التي لم يشبهها سابق، ولم يقترب منها لاحق، وكم قصائد أُلِّفتْ على غرارها ونهجت طريقها، ونسجت على منوالها ، ولكنها لم تصل إلى رتبة بردة البوصيري" ومِن الجدير بالذّكر الإشارة إلى معارضات الشّعراء للبردة؛ فلقد عارضَ البُردة،وخمّسها،وشطّرها،وشرحها ،ونسج على منوالها الكثير من الشّعراء الذين جاءوا بعد البوصيريّ في العصور المختلفة حتى العصر الحديث اقتداءً به نظراً لسمو عاطفتها، وروعة معانيها؛ فهي بمثابة نغم علوي يشدو به المحبون الأتقياء تعبيراً عن شدة الحبّ للرّسول العظيم حيث بلغتْ تخميسات البُردة حوالي 92 تخميساً ،وَشُرِحَتْ أكثر من 20 شرحاً ولها عدة معارضات أشهرها معارضة أمير الشّعراء أحمد شوقي في " نهج البُردة" حيثُ قال :
أَحَلَّ سفْك دمي في الأشهرِ الحُرمِ • ريمٌ على القاع بين البان والعلَمِ

ومنها أيضاً معارضة البارودي في قصيدته :

واحد الركاب إلى حي بــذي سَــلَمِ • يارائد البرق ييمم دارة العلَمِ

ومن تخميس البردة للشيخ شمس الدين محمد الفيومي حيث قال :

مُذْ بانَ أهل الحِمَى والبانَ والعــــلمِ • مابالُ قلبكَ لا ينفكُّ ذا ألمِ
أمِنْ تَــذَكِّرِ جيرانٍ بــذي سَــلَمِ • وانهلَّ مدمعك القاني بـِمُنسجمِ
• َمزَجْتَ دَمعــا جرى مِن مُقلَةٍ بِدَمِ

وهذا الاهتمام بالبردة يدلنا على أن البوصيريّ كان متفوقاً على غيره من الشّعراء من حيث الشّاعريّة والاستعداد الطبيعيّ لقول الشّعر فهو لديه طبع متدفق للإبداع الشّعريّ يتقن الصنعة والصناعة الشعريّة ليصل إلى أعلى درجات الإتقان والكمال مما حدا بالآخرين اتباعه وتقليده . .

ملامح تربوية من البردة

اِنَّ الطعـامَ يُقوِّي شــهوةَ النَّهِمِ
حُبِّ الرّضَاع وَإِِِنْ تَفْطِمْهُ يَنفَطِــم
ِ فـلا تَرُمْ بالمعاصي كَسْـرَ شـهوَتهَ
والنَّفسُ كَالطّفلِ إِنْ تُهمِلْه ُشَبَّ عَلَى

لقد فطن الإمام البوصيري إلى ملامح وأصول تربوية تتمثّّل في ضرورة ترويض وتهذيب النفس وتربيتها على الفضائل منذ الصغر وكسر شهوتها حيثُ في تشبيه رائع صوّر لنا أن النفس كالطفل تماماّ تحتاج إلى ترويض تربويّ وعناية كاملة منذ الصغر فالنفس مثل الطفل ، إن تتركه بدون رعاية وتوجيه صحيح ينشأ فاسداً فلابدّ من الرعاية والتوجيه والإرشاد وهذه حقيقة تربوية .

تم بحمد الله تعالى والله تعالى ولي الهدى والتوفيق













القسم الرابع
نص البردة للبوصيري كاملاً




قصيدةِ البُردةِ المباركةِ كاملةً
للإمام شرف الدين أبي عبد الله محمد بن سعيد البوصيري
مَزَجْتَ دَمعــا جرى مِن مُقلَةٍ بِدَمِ أمِنْ تَــذَكِّرِ جيرانٍ بــذي سَــلَمِ
وأومَضَ البرقُ في الظَّلمـاءِ مِن اِضَمِ أَم هَبَّتِ الريحُ مِن تلقــاءِ كــاظِمَةٍ
وما لقلبِكَ اِن قلتَ اسـتَفِقْ يَهِــمِ فـما لِعَينـيك اِن قُلتَ اكْفُفَـا هَمَـتَا
ما بينَ منسَــجِمٍ منه ومُضْـطَـرِمِ أيحَســب الصَبُّ أنَّ الحبَّ مُنكَتِــمٌ
ولا أَرِقْتَ لِــذِكْرِ البـانِ والعَلَـمِ لولا الهوى لم تُرِقْ دمعـــا على طَلِلِ
به عليـك عُدولُ الدمـعِ والسَّـقَمِ فكيفَ تُنْكِـرُ حبا بعدمـا شَــهِدَت
مثلَ البَهَـارِ على خَدَّيـك والعَنَـمِ وأثبَتَ الـوَجْدُ خَـطَّي عَبْرَةٍ وضَـنَى
والحُبُّ يعتَـرِضُ اللـذاتِ بالأَلَـمِ نَعَم سـرى طيفُ مَن أهـوى فـأَرَّقَنِي
مِنِّي اليـك ولَو أنْصَفْـتَ لَم تَلُـمِ يــا لائِمي في الهوى العُذْرِيِّ مَعـذرَةً
عن الوُشــاةِ ولا دائي بمُنحَسِــمِ عَدَتْـــكَ حالي لا سِـرِّي بمُسْـتَتِرٍ
اِنَّ المُحِبَّ عَنِ العُــذَّالِ في صَمَـمِ مَحَّضْتَنِي النُّصْحَ لكِنْ لَســتُ أسمَعُهُ
والشَّـيْبُ أبعَـدُ في نُصْحٍ عَنِ التُّهَمِ اِنِّي اتَّهَمْتُ نصيحَ الشَّـيْبِ فِي عَذَلِي
مِن جهلِـهَا بنذير الشَّـيْبِ والهَـرَمِ فـانَّ أمَّارَتِي بالسـوءِ مــا اتَّعَظَت
ضَيفٍ أَلَـمَّ برأسـي غيرَ مُحتشِـمِ ولا أعَــدَّتْ مِنَ الفِعلِ الجميلِ قِرَى
كتمتُ سِـرَّا بَــدَا لي منه بالكَتَمِ لــو كنتُ أعلـمُ أنِّي مــا أُوَقِّرُهُ
كما يُرَدُّ جِمَاَحُ الخيــلِ بالُّلُـجُمِ مَن لي بِرَدِّ جِمَــاح مِن غَوَايتِهَــا
اِنَّ الطعـامَ يُقوِّي شــهوةَ النَّهِمِ
حُبِّ الرّضَاع وَإِِِنْ تَفْطِمْهُ يَنفَطِــمِ فـلا تَرُمْ بالمعاصي كَسْـرَ شـهوَتهَا
والنَّفسُ كَالطّفلِ إِنْ تُهمِلْه ُشَبَّ عَلَى
اِنَّ الهوى مـا تَـوَلَّى يُصْمِ أو يَصِمِ فاصْرِف هواهــا وحاذِر أَن تُوَلِّيَهُ
واِنْ هِيَ استَحْلَتِ المَرعى فلا تُسِـمِ وراعِهَـا وهْيَ في الأعمال سـائِمَةٌ
مِن حيثُ لم يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ في الدَّسَـمِ كَـم حسَّــنَتْ لَـذَّةً للمرءِ قاتِلَةً
فَرُبَّ مخمَصَةٍ شَـــرٌّ مِنَ التُّـخَمِ واخْشَ الدَّسَائِسَ مِن جوعٍ ومِن شِبَعٍ
مِن المَحَـارِمِ والْزَمْ حِميَـةَ َالنَّـدَمِ واستَفرِغِ الدمعَ مِن عينٍ قَـدِ امْتَلأتْ
واِنْ همـا مَحَّضَـاكَ النُّصحَ فاتَّهِـمِ وخالِفِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِـمَا
فأنت تعرفُ كيـدَ الخَصمِ والحَكَـمِ ولا تُطِعْ منهما خصمَا ولا حكَمَــا
أنِ اشـتَكَتْ قدمَــاهُ الضُّرَّ مِن وَرَمِ ظَلمتُ سُـنَّةَ مَن أحيــا الظلامَ الى
تحتَ الحجارةِ كَشْــحَاَ ًمُتْرَفَ الأَدَمِ وشَدَّ مِن سَغَبٍ أحشــاءَهُ وطَـوَى
عن نفسِـه فـأراها أيَّمَـــا شَمَمِ وراوَدَتْــهُ الجبالُ الشُّـمُّ مِن ذَهَبٍ
اِنَّ الضرورةَ لا تعــدُو على العِصَمِ وأكَّــدَت زُهدَهُ فيها ضرورَتُــهُ
والفريقـين مِن عُـربٍ ومِن عَجَـمِ محمدٌّ سـيدُ الكــونينِ والثقَلَـيْنِ
أبَـرُّ في قَــولِ لا منـه ولا نَعَـمِ نَبِيُّنَـا الآمِرُ النَّــاهِي فلا أَحَــدٌ
لكُــلِّ هَوْلٍ مِن الأهـوالِ مُقتَحَمِ هُو الحبيبُ الــذي تُرجَى شـفاعَتُهُ
مُستَمسِـكُونَ بِحبـلٍ غيرِ مُنفَصِـمِ دَعَـا الى اللهِ فالمُسـتَمسِـكُون بِـهِ
ولم يُـدَانُوهُ في عِلــمٍ ولا كَـرَمِ فــاقَ النَّبيينَ في خَلْـقٍ وفي خُلُـقٍ
غَرْفَا مِنَ البحرِ أو رَشفَاً مِنَ الدِّيَـمِ وكُــلُّهُم مِن رسـولِ اللهِ مُلتَمِـسٌ
مِن نُقطَةِ العلمِ أو مِن شَكْلَةِ الحِكَـمِ وواقِفُـونَ لَدَيــهِ عنـدَ حَدِّهِــمِ
ثم اصطفـاهُ حبيباً بارِيءُ النَّسَــمِ فَهْوَ الـــذي تَمَّ معنــاهُ وصورَتُهُ
فجَـوهَرُ الحُسـنِ فيه غيرُ منقَسِـمِ مُنَـزَّهٌ عـن شـريكٍ في محاسِــنِهِ
واحكُم بما شئتَ مَدحَاً فيه واحتَكِـمِ دَع مــا ادَّعَتهُ النصارى في نَبِيِّهِـمِ
وانسُب الى قَدْرِهِ ما شئتَ مِن عِظَـمِ وانسُبْ الى ذاتِهِ ما شـئتَ مِن شَـرَفٍ
حَـدٌّ فَيُعـرِبَ عنـهُ نــاطِقٌ بِفَمِ فَــاِنَّ فَضلَ رســولِ اللهِ ليـس له
أحيـا اسمُهُ حين يُـدعَى دارِسَ الرِّمَمِ لو نـاسَـبَتْ قَـدْرَهُ آيـاتُهُ عِظَمَـاً
حِرصَـاً علينـا فلم نرتَـبْ ولم نَهِمِ لم يمتَحِنَّــا بمـا تَعيَــا العقولُ بـه
في القُرْبِ والبُعـدِ فيه غـيرُ مُنفَحِمِ أعيـا الورى فَهْمُ معنــاهُ فليسَ يُرَى
صغيرةً وتُكِـلُّ الطَّـرْفَ مِن أَمَـمِ كـالشمسِ تظهَرُ للعينَيْنِ مِن بُــعُدٍ
قَــوْمٌ نِيَــامٌ تَسَلَّوا عنه بـالحُلُمِ وكيفَ يُــدرِكُ في الدنيــا حقيقَتَهُ
وأَنَّــهُ خيرُ خلْـقِ الله كُـــلِّهِمِ فمَبْلَغُ العِــلمِ فيه أنــه بَشَــرٌ
فــانمـا اتصَلَتْ مِن نورِهِ بِهِــمِ وكُــلُّ آيٍ أتَى الرُّسْـلُ الكِـرَامُ بِهَا
يُظهِرْنَ أنـوارَهَا للنــاسِ في الظُّلَمِ فـاِنَّهُ شمـسُ فَضْلٍ هُـم كــواكِبُهَا
بالحُسـنِ مشـتَمِلٌ بالبِشْـرِ مُتَّسِـمِ أكــرِمْ بخَلْـقِ نبيٍّ زانَــهُ خُلُـقٌ
والبحرِ في كَــرَمٍ والـدهرِ في هِمَمِ كالزَّهرِ في تَرَفٍ والبـدرِ في شَـرَفٍ
في عسـكَرٍ حينَ تلقاهُ وفي حَشَــمِ كــأنَّهُ وهْـوَ فَرْدٌ مِن جلالَتِــهِ
مِن مَعْــدِنَيْ مَنْطِـقٍ منه ومبتَسَـمِ كـــأنَّمَا اللؤلُؤُ المَكنُونُ في صَدَفٍ
طوبى لمُنتَشِـقٍ منـــه ومـلتَثِـمِ لا طيبَ يَعــدِلُ تُرْبَـا ضَمَّ أعظُمَهُ
يـــا طِيبَ مُبتَـدَاٍ منه ومُختَتَـمِ أبــانَ مولِدُهُ عن طِيــبِ عنصُرِهِ
قَــد أُنـذِرُوا بِحُلُولِ البُؤسِ والنِّقَمِ يَــومٌ تَفَرَّسَ فيــه الفُرسُ أنَّهُـمُ
كَشَـملِ أصحابِ كِسـرَى غيرَ مُلتَئِمِ وبـاتَ اِيوَانُ كِسـرَى وَهْوَ مُنْصَدِعٌ
عليه والنهرُ سـاهي العَيْنِ مِن سَـدَمِ والنارُ خـامِدَةُ الأنفـاسِ مِن أَسَـفٍ
وَرُدَّ وارِدُهَـا بــالغَيْظِ حينَ ظَـمِي وسـاءَ سـاوَةَ أنْ غاضَتْ بُحَيرَتُهَـا
حُزْنَـاً وبـالماءِ ما بـالنار مِن ضَـرَمِ كــأَنَّ بالنـارِ ما بالمـاءِ مِن بَلَـلٍ
والحـقُّ يظهَـرُ مِن معنىً ومِن كَـلِمِ والجِنُّ تَهتِفُ والأنــوارُ ســاطِعَةٌ
تُسمَعْ وبـــارِقَةُ الاِنذارِ لم تُشَـمِ عَمُوا وصَمُّوا فــاِعلانُ البشـائِرِ لم
بــأنَّ دينَـهُـمُ المُعـوَجَّ لم يَقُـمِ مِن بعـدِ ما أخبَرَ الأقوامَ كــاهِنُهُم
مُنقَضَّةٍ وَفـقَ مـا في الأرضِ مِن صَنَمِ وبعـد ما عاينُوا في الأُفقِِ مِن شُـهُبٍ
مِن الشـياطينِ يقفُو اِثْــرَ مُنهَـزِمِ حتى غَــدا عن طـريقِ الوَحيِ مُنهَزِمٌ
أو عَسكَرٌ بـالحَصَى مِن راحَتَيْـهِ رُمِي كــأنَّهُم هَرَبَــا أبطــالُ أبْرَهَـةٍ
نَبْـذَ المُسَبِّحِ مِن أحشــاءِ ملتَقِـمِ نَبْذَا به بَعــدَ تسـبيحٍ بِبَـطنِهِمَــا
تمشِـي اِليه على سـاقٍ بــلا قَدَمِ جاءت لِــدَعوَتِهِ الأشـجارُ سـاجِدَةً
فُرُوعُهَـا مِن بـديعِ الخَطِّ في الَّلـقَمِ كــأنَّمَا سَـطَرَتْ سـطرا لِمَا كَتَبَتْ
تَقِيـهِ حَرَّ وَطِيـسٍ للهَجِــيرِ حَمِي مثلَ الغمــامَةِ أَنَّى سـارَ ســائِرَةً
وكُــلُّ طَرْفٍ مِنَ الكفارِ عنه عَمِي وما حوى الغـــارُ مِن خيرٍ ومِن كَرَمِ
وهُم يقولون مـا بالغــارِ مِن أَرِمِ فالصدقُ في الغــارِ والصدِّيقُ لم يَرِمَـا
خــيرِ البَرِّيَّـةِ لم تَنسُـجْ ولم تَحُمِ ظنُّوا الحمــامَةَ وظنُّوا العنكبوتَ على
مِنَ الدُّرُوعِ وعن عــالٍ مِنَ الأُطُمِ وِقَـــايَةُ اللهِ أغنَتْ عَن مُضَــاعَفَةٍ
اِلا ونِــلتُ جِـوَارَاً منه لم يُـضَمِ ما سـامَنِي الدَّهرُ ضيمَاً واسـتَجَرتُ بِهِ
اِلا استَلَمتُ النَّدَى مِن خيرِ مُسـتَلَمِ ولا التَمســتُ غِنَى الدَّارَيْنِ مِن يَـدِهِ
قَلْبَاً اِذا نــامَتِ العينـانِ لم يَنَـمِ لا تُنكِـــرِ الوَحْيَ مِن رُؤيَـاهُ اِنَّ لَهُ
فليسَ يُنـكَرُ فيهِ حـالُ مُحتَلِــمِ وذاكَ حينَ بُلُــوغٍ مِن نُبُوَّتِــــهِ
ولا نــبيٌّ على غيــبٍ بمُتَّهَـمِ تبــارَكَ اللهُ مــا وَحيٌ بمُكتَسَـبٍ
وأطلَقَتْ أَرِبَــاً مِن رِبــقَةِ اللمَمِ كَــم أبْرَأَتْ وَصِبَـاً باللمسِ راحَتُهُ
حتى حَكَتْ غُرَّةً في الأَعصُرِ الدُّهُـمِ وأَحْيت السَــنَةَ الشَّــهباءَ دَعوَتُهُ
سَـيْبٌ مِنَ اليمِّ أو سَـيْلٌ مِنَ العَرِمِ بعارِضٍ جادَ أو خِلْتَ البِطَـاحَ بهــا
ظهُورَ نـارِ القِرَى ليـلا على عَـلَمِ دَعنِي وَوَصفِيَ آيـــاتٍ له ظهَرَتْ
وليس يَـنقُصُ قَــدرَاً غيرَ مُنتَظِمِ فالــدُّرُ يزدادُ حُسـناً وَهْوَ مُنتَظِمُ
مـا فيـه مِن كَرَمِ الأخلاقِ والشِّيَمِ فمَــا تَطَـاوُلُ آمــالِ المدِيحِ الى
قــديمَةٌ صِفَةُ الموصـوفِ بالقِـدَمِ آيــاتُ حَقٍّ مِنَ الرحمنِ مُحدَثَــةٌ
عَنِ المَعَـــادِ وعَن عـادٍ وعَن اِرَمِ لم تَقتَرِن بزمـــانٍ وَهْيَ تُخبِرُنــا
مِنَ النَّبيينَ اِذ جــاءَتْ ولَم تَـدُمِ دامَتْ لدينـا ففاقَتْ كُــلَّ مُعجِزَةٍ
لــذي شِـقَاقٍ وما تَبغِينَ مِن حِكَمِ مُحَكَّـمَاتٌ فمــا تُبقِينَ مِن شُـبَهٍ
أَعـدَى الأعـادِي اليها مُلقِيَ السَّلَمِ ما حُورِبَت قَطُّ الا عــادَ مِن حَرَبٍ
رَدَّ الغَيُورِ يَـدَ الجــانِي عَن الحُرَمِ رَدَّتْ بلاغَتُهَــا دَعوى مُعارِضِهَـا
وفَـوقَ جَوهَرِهِ في الحُسـنِ والقِيَمِ لها مَعَــانٍ كَموْجِ البحرِ في مَـدَدٍ
ولا تُسَـامُ على الاِكثــارِ بالسَّأَمِ فَمَـا تُـعَدُّ ولا تُحـصَى عجائِبُهَـا
لقـد ظَفِـرتَ بحَبْـلِ الله فـاعتَصِمِ قَرَّتْ بَهـا عينُ قارِيها فقُلتُ لــه
مِنَ العُصَاةِ وقَــد جاؤُوهُ كالحُمَـمِ كــأنَّها الحوضُ تَبيَضُّ الوُجُوهُ بِـهِ
فالقِسطُ مِن غيرِهَا في النـاسِ لم يَقُمِ وكـالصِّراطِ وكـالميزانِ مَعدَلَــةً
تجاهُلا وَهْـوَ عـينُ الحـاذِقِ الفَهِمِ لا تَعجَبَنْ لِحَسُـودٍ راحَ يُنكِرُهَــا
ويُنكِرُ الفَمَ طعمَ المـاءِ مِن سَــقَمِ قد تُنكِرُ العينُ ضَوْءَ الشمسِ مِن رَمَدٍ
سعيَــا وفَوقَ مُتُونِ الأَيْنُقِ الرُّسُـمِ يـا خيرَ مَن يَمَّمَ العـافُونَ سـاحَتَهُ
ومَن هُـوَ النِّعمَــةُ العُظمَى لِمُغتَنِمِ ومَن هُــوَ الآيـةُ الكُبرَى لمُعتَبِـرٍ
كما سَـرَى البَدرُ في داجٍ مِنَ الظُّلَمِ سَرَيتَ مِن حَـرَمٍ ليــلا الى حَرَمِ
مِن قابَ قوسَـيْنِ لم تُدرَكْ ولَم تُـرَمِ وبِتَّ ترقَى الى أن نِلـتَ مَنزِلَــةً
والرُّسْـلِ تقديمَ مخـدومٍ على خَـدَمِ وقَـدَّمَتْكَ جميعُ الأنبيـاءِ بهـــا
في مَوكِبٍ كُنتَ فيـه صاحِبَ العَـلَمِ وأنتَ تَختَرِقُ الســبعَ الطِّبَاقَ بهم
مِنَ الـــدُّنُوِّ ولا مَرقَىً لمُســتَنِمِ حتى اذا لم تدَعْ شَــأْوَاً لمُســتَبِقٍ
نُودِيتَ بالـرَّفعِ مثلَ المُفرَدِ العَــلَمِ خَفَضْتَ كُــلَّ مَقَامٍ بالاضـافَةِ اِذ
عَنِ العُيــون وسِـــرٍّ أيِّ مُكتَتِمِ كيما تَفُوزَ بِوَصْــلٍ أيِّ مُســتَتِرِ
وجُزْتَ كُــلَّ مَقَــامٍ غيرَ مُزدَحَمِ فَحُزتَ كُــلَّ فَخَارٍ غيرَ مُشـتَرَكٍ
وعَزَّ اِدراكُ مــا أُولِيتَ مِن نِعَــمِ وجَـلَّ مِقـدَارُ مـا وُلِّيتَ مِن رُتَبٍ
مِنَ العِنَايَـةِ رُكنَــاً غيرَ منهَــدِمِ بُشـرَى لنا مَعشَـرَ الاسـلامِ اِنَّ لنا
بـأكرمِ الرُّسْلِ كُنَّـا أكـرَمَ الأُمَـمِ لمَّـا دَعَى اللهُ داعينــا لطــاعَتِهِ
كَنَبـأَةٍ أَجْفَلَتْ غُفْــلا مِنَ الغَنَـمِ راعَتْ قلوبَ العِـدَا أنبـــاءُ بِعثَتِهِ
حتى حَكَوْا بالقَنَـا لَحمَا على وَضَـمِ مـا زالَ يلقــاهُمُ في كُـلِّ مُعتَرَكٍ
أشـلاءَ شـالَتْ مَعَ العُقبَـانِ والرَّخَمِ وَدُّوا الفِرَارَ فكــادُوا يَغبِطُونَ بـه
ما لم تَكُن مِن ليــالِي الأُشهُرِ الحُـرُمِ تَمضِي الليـالي ولا يَدرُونَ عِدَّتَهَـا
بكُــلِّ قَرْمٍ الى لَحمِ العِــدَا قَـرِمِ كـأنَّمَا الدِّينُ ضَيْفٌ حَلَّ سـاحَتَهُم
يـرمي بمَوجٍ من الأبطــالِ ملتَـطِمِ يَجُـرُّ بحـرَ خميسٍ فَوقَ ســابِحَةٍ
يَسـطُو بمُسـتَأصِلٍ للكُفرِ مُصطَـلِمِ مِن كُــلِّ منـتَدِبٍ لله مُحتَسِـبٍ
مِن بَعــدِ غُربَتِهَا موصولَةَ الرَّحِـمِ حتى غَدَتْ مِلَّةُ الاسـلامِ وَهْيَ بهـم
وخيرِ بَعـلٍ فــلم تَيْتَـمْ ولم تَئِـمِ مَكفولَـةً أبـدَاً منهـم بِـخَيرِ أَبٍ
مــاذا لَقِي منهم في كُـلِّ مُصطَدَمِ هُمُ الجبـالُ فَسَـلْ عنهُم مُصَادِمَهُم
فُصـولُ حَتْفٍ لَهم أدهى مِنَ الوَخَمِ وَسَـلْ حُنَيْنَاً وَسَـلْ بَدْرَاً وَسَلْ أُحُدَا
مِنَ العِــدَا كُلَّ مُسْوَدٍّ مِن الِّلمَـمِ المُصدِرِي البِيضِ حُمرَاً بعد ما وَرَدَتْ
أقــلامُهُمْ حَرْفَ جِسمٍ غيرَ مُنعَجِمِ والكاتِبينَ بِسُــمرِ الخَطِّ ما تَرَكَتْ
والوَرْدُ يمتـازُ بالسِّيمَى عَنِ السَّـلَمِ شـاكِي السـلاحِ لهم سِيمَى تُمَيِّزُهُم
فتَحسِبُ الزَّهرَ في الأكمامِ كُلَّ كَمِي تُهدِي اليـكَ رياحُ النَّصرِ نَشْـرَهُمُ
مِن شَـدَّةِ الحَزْمِ لا مِن شـدَّةِ الحُزُمِ كــأنَّهُم في ظُهورِ الخَيْلِ نَبْتُ رُبَـاً
فمـا تُـفَرِّقُ بين البَهْـمِ والبُهَـمِ طارَتْ قلوبُ العِدَا مِن بأسِـهِم فَرَقَاً
اِن تَلْقَهُ الأُسْـدُ في آجــامِهَا تَجِمِ ومَن تَـكُن برسـولِ اللهِ نُصرَتُـهُ
بِــهِ ولا مِن عَــدُوٍّ غيرَ مُنعَجِمِ ولَن تَــرى مِن وَلِيٍّ غيرَ منتَصِـرٍ
كالليْثِ حَلَّ مَعَ الأشـبالِ فِي أَجَمِ أَحَــلَّ أُمَّتَـهُ في حِـرْزِ مِلَّتِــهِ
فيه وكـم خَصَمَ البُرهانُ مِن خَصِمِ كَـم جَدَّلَتْ كَـلِمَاتُ الله مِن جَدَلٍ
في الجاهـليةِ والتــأديبَ في اليُتُمِ كفــاكَ بـالعلمِ في الأُمِّيِّ مُعجَزَةً
ذُنوبَ عُمْر مَضَى في الشِّعرِ والخِدَمِ خَدَمْتُهُ بمديــحٍ أســتَقِيلِ بِـهِ
كــأنني بِهِــمَا هَدْيٌ مِنَ النَّعَمِ اِذ قَـلَّدَانِيَ ما تُخشَـى عـواقِبُـهُ
حَصَلتُ الا على الآثـامِ والنَّـدَمِ أَطَعتُ غَيَّ الصِّبَا في الحالَتَيْنِ ومــا
لَم تَشتَرِ الدِّينَ بـالدنيا ولم تَسُـمِ فيـا خَسَــارَةَ نَفْسٍ في تِجَارَتِهَـا
بِينَ لـه الغَبْنُ في بَيْـعٍ وفي سَـلَمِ ومَن يَبِــعْ آجِـلا منه بـعاجِلِـهِ
مِنَ النَّبِيِّ ولا حَبـلِي بمُنصَـــرِمِ اِنْ آتِ ذَنْبَـاً فمــا عَهدِي بمُنتَقِضٍ
مُحمَّدَاً وهُوَ أوفَى الخلقِ بــالذِّمَمِ فـــاِنَّ لي ذِمَّةً منــه بتَسـمِيَتِي
فَضْلا والا فَقُــلْ يــا زَلَّةَ القَدَمِ اِنْ لم يكُـن في مَعَـادِي آخِذَاً بِيَدِي
أو يَرجِعَ الجــارُ منه غيرَ مُحـتَرَمِ حاشــاهُ أنْ يَحْرِمَ الرَّاجِي مَكَارِمَهُ
وجَدْتُـهُ لخَلاصِي خــيرَ مُلتَـزِمِ ومُنذُ أَلزَمْتُ أفكَـــارِي مَدَائِحَهُ
اِنَّ الحَيَـا يُنْبِتُ الأزهارَ في الأَكَـمِ ولَن يَفُوتَ الغِنَى منه يَــدَاً تَرِبَتْ
يَــدَا زُهَيْرٍ بمـا أثنَى على هَـرِمِ ولَم أُرِدْ زَهرَةَ الدنيـا التي اقتَطَفَتْ
سِـوَاكَ عِنـدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ يــا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَن ألوذُ به
اذا الكريمُ تَجَلَّى بــاسمِ مُنتَقِـمِ ولَن يَضِيقَ رسـولَ اللهِ جاهُكَ بي
اِنَّ الكَبَـائِرَ في الغُفرَانِ كـالَّلمَـمِ يا نَفْـسُ لا تَقنَطِي مِن زَلَّةٍ عَظُمَتْ
تَأتِي على حَسَبِ العِصيَانِ في القِسَمِ لعَـلَّ رَحمَةَ رَبِّي حينَ يَقسِــمُهَا
لَدَيْـكَ واجعلْ حِسَابِي غيرَ مُنخَرِمِ يا رَبِّ واجعَلْ رجائِي غيرَ مُنعَكِسٍ
صَبرَاً مَتَى تَـدعُهُ الأهـوالُ ينهَزِمِ والطُفْ بعَبدِكَ في الدَّارَينِ اِنَّ لَـهُ
عـلى النبِيِّ بِمُنْهَــلٍّ ومُنسَـجِم وائذَنْ لِسُحْبِ صلاةٍ منك دائِمَةٍ
وأَطرَبَ العِيسَ حادِي العِيسِ بالنَّغَمِ ما ر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://7mole.yoo7.com
 
(البردة) للبوصيري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
بوابة الكيميائين :: الاسلاميات :: الفقه والتاريخ-
انتقل الى: